عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
50
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
وبقولك : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) يفتح لك باب الخوف ، وبقولك : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) يفتح لك باب الإخلاص ، وبقولك : يفتح لك باب الدعاء ، وبقولك : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إلى آخرها يفتح لك باب الاقتداء بالأرواح الطاهرة . ( الرابعة عشرة ) : قال الرازي في قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ دلالة على أنه تعالى منزه عن الجهة والمكان فهو رب الزمان والمكان لأن العالم هو ما سوى اللّه تعالى ومن جملة ذلك الجهة والمكان فهو رب الزمان والمكان وخالقهما والخالق لا بد أن يكون سابقا على مخلوقاته ، وفيه أيضا دلالة على أنه منزه عن الحلول لأنه لما كان ربا للعالمين كان خالقا لكل ما سواه فكأن ذاته المقدسة موجودة قبل كل محل ، فكما أنه كان غنيا عن المحل قبل وجوده فهو غني عنه بعد وجوده أيضا . ( فإن قيل ) : النون في قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) هل هي نون الجمع أو التعظيم ؟ إن كان الأول فباطل لأن الواحد لا يكون جمعا وإن كان الثاني فباطل لأن اللائق بالعبد الخضوع سيما في العبادة ؟ ( فالجواب ) أن المراد هنا الجمع وفيه تنبيه على فضل صلاة الجماعة فإن صلى وحده كان المراد أني أعبدك مع الملائكة وغيرهم . وجواب آخر إذا قال العبد : إياك نعبد فقد ذكر عبادته وعبادة غيره كأنه سعى في إصلاح مهمات المؤمنين فإذا فعل ذلك قضى اللّه حوائجه لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قضى لمسلم حاجة قضى اللّه جميع حوائجه » . وجواب آخر كأن العبد استحقر عبادته فمزجها بعبادة الصالحين فقال : إياك نعبد . ( وهاهنا مسألة شرعية ) وهي إذا باع عشرة عبيد مثلا لرجل فلا يصح أن يقبل البعض بل يقبل الجميع أو يرد الجميع واللائق بكرم اللّه تعالى أنه لا يرد عبادة العابدين التي من جملتها عبادة هذا الرجل وإن كانت ناقصة كما لو اشترى عبدين مثلا فظهر بأحدهما عيب فليس له أن يرد المعيب وحده إلا برضا البائع . ( جواب آخر ) كان اللّه تعالى يقول عبدي لما أثنيت علي بقولك : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ عظم قدري عندك فلا تقتصر على مهماتك وحدك ولكن أدخل جميع المؤمنين وقل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) ( فإن قيل ) كيف قدم اسمه الكريم بقوله إياك نعبد وأخره في أول السورة بقوله الحمد للّه وما قال للّه الحمد ؟ ( فالجواب ) أن الحمد يجوز أن يكون لغيره ولا تجوز العبادة إلا له تعالى . ( الخامسة عشرة ) : ذكر اللّه العالمين في القرآن على خمسة أوجه : ( الأول ) : للإنس والجن قال تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ يوسف : 104 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] الثاني : عالمي زمانهم كقوله تعالى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [ البقرة : 47 ] أي عالمي زمانهم ولقد اخترناهم على علم العالمين وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) [ آل عمران : 42 ] كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في فضل عيسى في باب فضل هذه الأمة . ( الثالث ) : من آدم إلى يوم القيامة إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ والرابع من كان بعد نوح « سلم على نوح